أسعد السحمراني

132

الأخلاق في الإسلام والفلسفة القديمة

وأجاد في وصف بخلهم الذي كانوا يتوارثونه ويتفنّنون به للتنفير منه . وما نعلمه من التاريخ العربي ذلك المثل الذي ضرب بكرم حاتم الطائي ( ت 578 م ) الذي ورث الكرم في تربيته عن أمة « عقبة » التي كانت لا تمنع العطاء عن طالب أو صاحب حاجة ، ولا تدخر شيئا ، مما جعل أشقائها يتهمونها بإتلاف المال فيحجرون عليها ، ويمنعونها مالها . ومن ظواهر كرم حاتم ما تنقله الروايات أنه كان مرة مع إبله يدعو اللّه أن يأتي ضيوف ، فأبصر ركبا من بعيد يتجه إليه هم : عبيد بن الأبرص ، وبشر بن أبي حازم ، والنابغة الذبياني وهو لا يعرفهم ، فقالوا : يا فتى هل من قرى « 1 » . فقال : تسألونني عن القرى وقد ترون الإبل ! انزلوا . فنزلوا فنحر لهم ثلاثة من الإبل . فقال عبيد : إنما أردنا بالقرى اللبن وكانت بكرة « 2 » تكفينا إذا كنت لا بد متكلفا لنا شيئا . فقال حاتم : قد عرفت ، ولكني رأيت وجوها مختلفة وألوانا متفرقة فعلمت أن البلاد غير واحدة فأردت أن يذكر كل منكم ما رأى إذا أتى قومه . لقد ضرب المثل بكرم حاتم واستعمل اسمه صفة لكل سخي جواد من الناس ، ومما يؤثر أن ابنة له أسرت في إحدى غزوات المسلمين ضد الكفار ، ولما عرّفت عن نفسها قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لصحبه : خلّوا سبيلها من الأسر فإن أباها كان يقري الضيف . وإذا كان الكرم أمرا محمودا في نظام الحياة ، وبين قيم الأخلاق الفاضلة إلّا أنه لا بد من أن يقترن بالاعتدال لأن الإسراف والبخل أمران

--> ( 1 ) القرى : ما يقدم للضيف . ( 2 ) بكرة : الفتى من الإبل .